محمد حسين علي الصغير

151

الصوت اللغوى في القرآن

وتجاوزها ، في حياة قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) « 1 » . ما هذا الإيقاع المجلجل ؟ وما هذه النبرات الصوتية الرتيبة ؟ وما هذا النسق المتوازن ؟ العقبة ، رقبة ، مسغبة ، مقربة ، متربة ، أصداء صوتية متلاحقة ، في زنة متقاربة ، زادها السكت رنة وتأثيرا ولطف تناغم ، وسط شدة هائلة مرعبة ، وخيفة من حديث نازل متوقع ، فالاقتحام في مصاعبه ومكابدته ، والعقبة في حراجتها والتوائها ومخاطرها ، يتعانقان في موضع واحد ، يوحي بالرهبة والفزع . « والاقتحام هو أنسب الألفاظ للعقبة لما بينهما من تلاؤم في الشدة والمجاهدة واحتمال الصعب ، والمناسبة بين اقتحام العقبة وبين خلق الإنسان في كبد ، أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، والجمع بينهما في هذا السياق ، يقدم لنا مثلا رائعا من النظم القرآني المعجز : فالإنسان المخلوق في كبد ، أهل لأن يقتحم أشد المصاعب ، ويجتاز أقسى المفاوز ، على هدى ما تهيأ له من وسائل الإدراك والتمييز ، وما فطر عليه من قدرة على الاحتمال والمكابدة » « 2 » . قال الطبرسي ( ت : 548 ه ) وهو يتحدث عن هذا السياق : « إنه مثل ضربه اللّه تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال الخير والبر ، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكئود ، فكأنه قال : لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام » « 3 » . وإرادة التأنيب والتعنيف مع الحض والترجيح والتحبيب ، في صيغة النفي وتقريره ، والاستفهام وتهويله ، حافز وأي حافز على معالجة هذه المخاوف الاجتماعية السائدة ، ودرء هذه المشاكل العالقة في المجتمعات المختلفة : السغب ، اليتم ، المسكنة ، إنها آفات متطاولة تنخر في بنية

--> ( 1 ) البلد : 11 - 16 . ( 2 ) بنت الشاطي ، التفسير البياني : 1 / 190 . ( 3 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 5 / 495 .